أكثبة الليالي!

كانت البداية تحت سماءٍ شاحِبة وليلةٍ يلُّفها صوتٌ موحش، رحت أفتّش عن أي كوكب مضيء أغوص فيه بالتأمل والتفكّر، ليخرجني من طينة هذه الحياة التي أصارع نفسي في ثغور ليالها فتنتهي المصارعة بعدها في كل مرّة بأن تلفظني مرامي التربة أو أنزعني منها نزعا، إلَّا أني ليلتها لم تكن بي قوّة على خوض النزالات مع أحد.. تحينت حتى سجا الدجى و هجع الناس لمراقدهم وصعدت للسطح على ما بي من التعب، وتمددت على الأرض وألقيت كل شيء يربطني بالدنيا، حتى يصفو لي التأمل و مسامرة القضاء المكنى ‘أبا العجب’.

فرحت أعدُّ الحاضرين وما بي من عدٍّ إلا التأكد من أنّ نفسي حاضرة. فرحتُ أرمق الأفق في ليل أليل ودفعت بي إلى مسرح مسراي أشعث مغبرا هكذا كنت أراني إذا اكفهرّ الليل؛ أخا سِفار طال مُكثه في شعاب الحيرة!
مدفوع بقدر غير قليل من الدهشة، تائه ضائع في الكون الشاسع، كالغارق في بحر لا ساحل له، تطفو عليه أشياء غريبة لا أدرك ماهيتها ولا أدري من أين أتت ومن أي الجهات أقبلت.. فرحت أتأمل، أراقب.. وأفرق بين الأشياء من حولي فكان أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أقارن هو نفسي!
فتعالت نبأةٌ بداخلي.. كأنها خرجت من بؤرة نارية من موقد متأجج: كيف يطيب عيش من نفى عنه الكرى (طموحٌ) برى أعظُمه حتى انبرى؟!
أجب نفسا حائرة: أحيٌّ صاحبها فيتوقع أم أودع اللَّحد البَلقع؟!
فاستطارت للصوت صدوع كبدي وارتعبت يا سادتي وتداخلت دواخلي، ثمّ عدت لرشدي واستجمعت شتاتي، وادعيت أن ليل المسامر كليل الحالم، يستسلم للأوهام فيصدّق ما لا يجوز تصديقه وينغمس في بحر الصور والأصوات الكاذبة، فيخالُ أنَّه يُجالس خرافة هذا الذي كان في القديم يحدّث الناس بالعجب.
إلّا أنّي لا أنكر أنّه تلبّسني إحساس مبهم،بأن حرارة تلك البؤرة لا تنقص ولا تفتر، فسكنت!
ثمَّ.. ثمَّ استأنف: إلى من تعوزه حرارة الحياة ونبضها، إلى من معدنه الموت أو الحياة الناقصة المريضة.. من يُحملق نحو السماء يتطلع للعلا ثمّ يطأطئ نحو الأرض فيملأه الوهن، إن ادعاءك ملكية أهداف جليلة وخططا كثيرة لا يصنع منك إلا صنمًا صنعته وسميته ثمّ أثثته في زاوية من الزاويا تغطيها الأعذار الواهية، وسطو الأيام الراكضة المصحوبة بالادعاءات، هذه البؤرة المتأججة فيك أوقد فتيلها لينير دربك لا تستورد من غيرك القوّة ولا تسرق جذوة من أحد لتمشي خطوة فتخبو أخرى وتتعثر، من لا ينبع النور من أعماقه فهو تائه أبدًا مدّع لملكية ما لا يملك، من ينتظر أن يسكب غيره فيه نورا فإنه نورٌ سطحي على أديمه.. بغيابه يُظلم وبفناءه يفنى وبضلاله يضل، لا تستمدّ هُداك إلا من نور السموات والأرض، فنوره أزلي لا يخبو!
ما يحزّ فيّ أنّك كنت قادرا على التغيير كنت تملك القوّة على الصمود، كنت قادرا على أن تتوقف عن ذلك الذي كنته من أجل أن تصنعك، أن تتأمل ماضيك فتتعلم منه، ولكنّك.. ولكنّك ادعيت الغربة وادعيت الاختلاف وأنّك الفتى الذي أضاعه قومه، فصرت حبيس عدمك حبيس مربع الجدار الذي كنت ترى العالم منه، لم تجرأ حتى على أن تختبر نفسك في الحياة!
كان يكفيك صمتك ويكفيك معنى أن يفقد المرء تمسُّكه بالحياة، أو بالأحرى معنى ألا تمتلك شيئا.. لا يكفي فهمُ الوجود في صنع أي فارق بل أن تعيش وتخوض غمار الحياة فتخسر وتكسب.. ، فإن كنت تظن أنّ انزواءك عن المشهد واقصاء نفسك يساعدك على معرفة الحياة، دعني أخبرك أنّك لم تعش!
فسرّ معرفتها هو الانخراط فيها، أن تنظر لنفسك من مرآتها.
بإمكانك أن تكون واحد ضمن الآخرين وتختار أن تبقى وحيدا، أن تحتفظ بوحدتك المطلقة.. أنت من يضع التعاريف والتقاسيم، اجعل وحدتك دافعا للحياة!
إستعد لتنفخ الروح في الصنم الذي صنعته، فلم يعد هناك وقت لصياغة كلمات تطلب منها النجدة، ولا مجال لتأليف أقوال براقة؛ فأيّ معنى لقول صادر من قلب غير صادق، وإرادة مشلولة أطال صاحبها الجلوس فوق التوافه، لا ضرورة للكلمات إذا أدركت ما تقوم به!.
فكان آخر ما وعيت منه قبل غفوتي: أنا وعيُك بالعزلة!
وأفقت على حبات مطر سقطت على وجهي، فتوجسّت خيفة ورحت أنافثه حتى يُجيب.. فانتظرت وانتظرت حتى شجر الصبح وانشق عوده، فعلمت أنّه مضى وراح فالأشياء العجيبة لا يجوز إثارتها إلا بالليل!
ولكنّه أودع قلبي جمر الغضا وجرابا كفؤاد أمّ موسى فكأني لم أحوِ من قبلُ ما حويت..ولا عشت قبل هذا ولا خُلقت.

أيّها القارئ:
“فما ترى فيما ذكرت يا تُرى؟! ”

Advertisements

المعلق:

" استقِم كما أمرتَ "